سيد قطب

3735

في ظلال القرآن

للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان ! إن الابتلاء بالنعمة في حاجة ملحة إلى يقظة دائمة تعصم من الفتنة . . نعمة المال والرزق كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر ، مع السرف أو مع البخل ، وكلاهما آفة للنفس والحياة . . . ونعمة القوة كثيرا ما تقود إلى فتنة البطر وقلة الشكر مع الطغيان والجور ، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس ، والتهجم على حرمات اللّه . . ونعمة الجمال كثيرا ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه وتتردى في مدارك الإثم والغواية . . ونعمة الذكاء كثيرا ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين وبالقيم والموازين . . وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر اللّه فعصمه اللّه . . والحقيقة الثالثة أن الإعراض عن ذكر اللّه ، الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء ، مؤد إلى عذاب اللّه . والنص يذكر صفة للعذاب « يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً » . . توحي بالمشقة مذ كان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما تصعد . وقد درج القرآن على الرمز للمشقة بالتصعيد . فجاء في موضع : « فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ « 1 » » . وجاء في موضع : « سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً « 2 » » . وهي حقيقة مادية معروفة . والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء ! والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن ، ويجوز أن تكون من كلام اللّه ابتداء : « وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً » . . وهي في الحالتين توحي بأن السجود - أو مواضع السجود وهي المساجد - لا تكون إلا للّه ، فهناك يكون التوحيد الخالص ، ويتوارى كل ظل لكل أحد ، ولكل قيمة ، ولكل اعتبار . وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة للّه . ودعاء غير اللّه قد يكون بعبادة غيره ؛ وقد يكون بالالتجاء إلى سواه ؛ وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير اللّه . فإن كانت الآية من مقولات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم : « وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً » في موضع خاص ، وهو موضع العبادة والسجود . وإن كانت من قول اللّه ابتداء ، فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم ، يجيء في موضعه على طريقة القرآن . وكذلك الآية التالية : « وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً » . . أي متجمعين متكتلين عليه ، حين قام يصلي ويدعو ربه . والصلاة معناها في الأصل الدعاء . فإذا كانت من مقولات الجن ، فهي حكاية منهم عن مشركي العرب ، الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن كما قال في « سورة المعارج » : « فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ؟ » . . يتسمعون في دهش ولا يستجيبون . أو وهم يتجمعون

--> ( 1 ) سورة الأنعام . آية : 125 . ( 2 ) سورة المدثر . آية : 17 .